أبطال التوجيهي… من يكسر هيبة من؟!
ارحابا نيوز - بقلم: الاستاذ جعفر السالم / ٢٨ محرم ٢٠٢٦م
دعوني أكن صادقاً معكم منذ البداية؛!! أنا لست خبيراً تربوياً، ولا أدعي ضلوعاً عميقاً في فنيات وضع الأسئلة وتقييمها.. لكنني، وقبل كل شيء، وليّ أمر يعيش القلق ذاته، ويتجرع الخوف نفسه كل صباح. أنا واحد من أولئك الآباء الذين يقفون على أبواب المدارس تارة، ويترقبون الهواتف تارة أخرى، أرى بعيني انفعالات الأهالي، وأحس بمرارة عجزهم، وأسمع نبض قلوبهم المرتجفة خلف جدران قاعات الامتحان.
ومن هذا الموقع الإنساني البسيط، أتساءل بمرارة: بينما ينام الجميع في ليالي الصيف، من يقبع خلف مكاتب وزارة التربية والتعليم ليقرر مصير أبنائنا؟! في كل عام، وفي نفس التوقيت، يخرج هؤلاء الذين نطلق عليهم مجازاً “واضعي الأسئلة” أو “أبطال الإمتحانات” وفي جعبتهم “تحدٍ” جديد.. أو “غزوة جديدة” هدفها الأول والأخير ليس قياس فهم الطالب، بل خوض معركة شخصية لكسر هيبة المعلمين الخصوصيين… وإثبات تفوّق الوزارة على المنصات التعليمية التي سحبت البساط من تحت أقدام المدارس الحكومية… والمشكلة أن هذه الحرب الافتراضية تُخاض بأسلحة حية، والضحية الوحيدة فيها هو كبش فداء مستضعف اسمه “طالب التوجيهي”.
يدخل أولادنا قاعة الامتحان محملين بآمالنا، وبحصيلة تعب وسهر امتد لعام كامل، ليصطدموا بورقة امتحانية لم تُوضع لتقييمهم، بل لتحديهم. أسئلة مفخخة، وصياغات ملتوية، وصعوبة بالغة لا تتماشى أبداً مع الوقت المتاح، بل والأنكى من ذلك “في بعض الأحيان” أسئلة تحتمل أكثر من إجابة وتمرر أخطاءً علمية يضج منها كبار الأساتذة خارج القاعات. والنتيجة؟ مجزرة سنوية معلنة.
تفتح أبواب قاعات المدارس بعد الامتحان لتنهمر الدموع، وتتعالى صرخات الأمهات وتضج بالدعوات على أولئك “الأبطال”.. وتتحطم نفسيات شباب في مقتبل العمر. نحن لا نتحدث هنا عن توتر طبيعي يرافق الامتحانات، بل عن قهر حقيقي يملأ البيوت غصة، وينتهي في بعض السنوات بكوارث مفجعة لطلبة لم يحتملوا حجم الخيبة وقرروا إنهاء حياتهم. وفي غمرة هذا البكاء، يقف الأهالي مذهولين، وهم الذين اقتطعوا من قوت يومهم ومدخراتهم ليدفعوا للمنصات والمراكز، متأملين بنتيجة ترفع رؤوسهم، ليجدوا أن تضحياتهم ذهبت أدراج الرياح أمام عناد واضعي الأسئلة “الأبطال”.!!
وفي خضم هذا المشهد المؤلم، ومن قلب المعاناة التي نعيشها في كل بيت، نوجّه رسالة صادقة من الأعماق إلى وزارة التربية والتعليم، وإلى كل من يملك في يده قراراً يمس مستقبل فلذات أكبادنا. إن بناء الأوطان يبدأ أولاً وبشكل حتمي من بناء الإنسان، وهذا الإنسان لا يُصنع بالتعجيز والإحباط وكسر الإرادة وتحطيم نفسيات الطلاب والمواطنين كلهم… بل يُصنع بالتمكين وبث الثقة والدعم النفسي والعاطفي والإحساس الصادق بأن العملية التعليمية له لا عليه.
لذا، فإننا ندعوكم صادقين إلى تبني وقفة مراجعة حقيقية ترتكز على خمسة محاور أساسية:
#أولاً: إعادة النظر في فلسفة الامتحانات: يجب أن تعود امتحانات الثانوية العامة إلى مسارها القويم كأداة علمية للقياس والتقييم البنّاء، لا كمنصة للتحدي وتصفية الحسابات. نريدها مرآة عادلة تعكس استيعاب الطالب للمادة، لا جداراً أصمّ يرتطم به طموحه فيتحطم.
#ثانياً: الشفافية والموضوعية التامة في الصياغة: نطالب بإخضاع عملية وضع الأسئلة لمعايير صارمة وعلمية خالية من الإلتواء اللفظي والتذاكي العقيم الذي يحتمل التأويل ويحطم النفسية ويجلب الأخطاء الفادحة، مع ضرورة تفعيل لجان مراجعة مستقلة على أعلى درجات الكفاءة والمسؤولية قبل طباعة الأوراق.
#ثالثاً: مراعاة الجانب النفسي لجيل بأكمله: إن الصحة النفسية لأبنائنا وبناتنا لا تقل أهمية أبداً عن تحصيلهم الأكاديمي. يحتاج الطلبة في هذه المرحلة الحساسة لشبكة دعم ومساندة تخفف عن كاهلهم الضغوط الهائلة، لا لمزيد من الألغاز التي تدفعهم نحو حافة الهاوية والمصير المجهول.
#رابعاً: مد جسور التعاون بدلاً من الصراع: إن السعي لـ “كسر هيبة” المنصات والدروس الخصوصية عبر تعقيد الامتحانات هو صراع واهم غير ذي جدوى والأجدى بالوزارة أن تفتح أبواب الشراكة والتعاون مع كافة أطراف العملية التعليمية والميدان، والاستفادة من خبرات الجميع لتقديم تعليم يليق بهذا الوطن.
#خامساً: إعلاء قيم الأنسنة والرحمة: لنتذكر دائماً خلف تلك الأرقام والنسب والمعدلات أننا نتعامل مع أرواح بشرية نابضة بالحب، ومع أحلام طرية تستحق أن نرويها لتزهر وتثمر. لنجعل من التعليم رحلة إنسانية تُغني الروح والعقل، لا كابوساً ينهش عافية العائلات ويهدد مصير الأبناء.
إن مستقبل بلدنا العزيز يكمن في عقول شاباته وشبابه؛ ودورنا جميعاً هو صقل هذه العقول بالمعرفة والرحمة، ورعاية هذه الأحلام لتكبر في بيئة آمنة، بعيداً عن كواليس الصراع الفكري واستعراض العضلات الأكاديمية والبطولات الورقية..!! فهل من مجيب؟!
▪️نُشر بتصرّف عنـ / الاستاذ جعفر السالم -✍️ ارحابا نيوز
____________________________
إدارة موقع وصفحة ارحابا نيوز
arhaba.news@yahoo.com 📧
0779093700+Whatsapp📱


تعليقات بلوجر
تعليقات فيسبوك